إشراقة 

عندما يَرْتَاحُ ضميرُ الكاتب تجاهَ ما كَتَبَه

 

 

 

 

 

     هذه السطورُ لايَكْتَنِهُها ولايَلَذُّها إلاّ الكُتّاب المتذوّقون، الذين يَمْتَهِنُونَ الحرفَ ويحتضنونَ الكلمةَ لرسالة يَتَبَنَّوْنَها ولدعوة ينهضون لنشرها ويَسْهَرُون على الانتصار لها ويتهالكون على رعايتها .

     الكتابةُ فنٌّ وذوقٌ وهوايةٌ ، ثم هي مسؤوليّةٌ أو مهنةٌ أو نزهةٌ وتفرّجٌ أو مُوْضَةٌ أو جنونٌ . والجنونُ فنونٌ .. والتصنيفُ يأتي على حسبِ ذهْنِيَّة الكاتب، وتفكير المُغْرَمِ بالحرف والكلمة، والعائش بين السطور، وصياغة التعابير والجمل، مُتَوَفِّرًا على التنسيق بين اللفظ والمعنى، وظاهر العبارة وباطن الإشارة .

     كثيرًا ما يحدث أني أكتب ما يُثْنِي عليه القراءُ، ويَسْتَحْسِنُه المستفيدون، ويُعْجَب به حتى من لاتكون بيني وبينه علاقةُ تعارفٍ أو سابقُ لقاءٍ ، ويذكرونه كثيرًا ويُشِيدُونَ بجميل التعبير وصدق التصوير للحقيقة التي يَتَعَرَّضُ لها، ويطلبون مني الإكثارَ من مثله والنسجَ على مِنْوَاله، ويُحَبِّذون مبانيَه ومعانيَه معًا . وجمالُ كليهما في وقت واحد هو الذي يُضْفِي على كتابةٍ ما مسحةَ الروعةِ والقبولِ . والإخلالُ بأحد الجانبين يسلبها التأثيرَ وقوةَ السحر والجذب . وكثيرًا ما يكون الكاتب مُفْلِسًا في التوفيق بين العنصرين؛ فإذا اهتمّ باللفظِ وحسنِ الصياغةِ خانه الاهتمامُ بالسموّ بالمعنى، والارتفاع بالفكر، والتألّق بالخيال .. ولكني لسبب من الأسباب قد لا أرتاح إلى ما أكون قد كتبتُه؛ فإثناءُ المُثْنِينَ ومَدَحُ القارئين لايُؤَثِّر فيَّ، ولايجعلني أُسَرُّ به لأنّ الضميرَ إذا لم يَرْتَحْ فالجاهلون بحاله وبما يُقْنِعُه وما لايُقْنِعه لايُغَيِّر من كيفيته شيئًا. إنّ ما لم يجده الضميرُ لا يُنِيلُه إِيَّاهُ الغيرُ ، وما فقده داخلُ الإنسان لايُعَوِّضه خارجُه الأجنبيّ . إنّ القيمةَ الحقيقيةَ لما أَكْتُبُه هي ارتياحُ ضميري أنا : الكاتب، وهذه القيمةُ لايَعدلها أيُّ شيء من حسن الثناءِ، وجميلِ التحبيذ، تُطْلِقُهما أَلسنةُ القراءِ الذين ربما يكون كثيرٌ منهم ممن لم يُدْرِكوا الألمَ الذي اسْتَكْتَبَ الكاتبَ ما كَتَبَه ودَفَعَه إلى أن يَنْثُر على الورق دماءَ قلبه وعبراتِ عينيه ونفثاتِ مهجته . وكذلك لم يهتدوا إلى سرّ السرور الذي غَمَرَ كيانَهُ كُلَّه وسَيْطَرَ على وجوده وجَعَلَه يَسْطُر من الكلمات ما ترقص الفرحةُ بين ثناياه ويهتزّ الطربُ على سطح كل حرف اهتزازَ قطراتِ الندى على وُرَيْقَاتِ الزهرةِ الباسمةِ التي تُصْبِح مُسْتَقْبـِلَةً يومًا أَغَرَّ صافيًا من الغيم .

     وإذا اطْمَأَنَّ قلبي وارتاح ضميري إلى ما كنتُ قد كتبتُه، وآمنتُ بأني كتبتُ ما كنتُ أودّ كتابتَه بأحسن ما كنتُ أستطيعه، وأني أدّيتُ الأمانةَ أوفى الأداء، وأني جعلتُ الكلماتِ تنطق بالحقائق، وتَصْدَعُ بالصدق، وتُنَادِي بما في ضميري، وتُعَبِّر عن مكنوناتِ الصدر، ومحتوياتِ القلب، وما كان يشغل الفكرَ، ويُشَكِّلُ الهمَّ الأكبر، ولم يخنني التعبيرُ، ولانقصني حَبْكُ الفقراتِ الوافية بالغرض، ولاجَفَتْني المعاني والأفكار التي كنتُ بسبيل طرحها بأحسن ما أَقْدِر عليه من الأسلوب وأستطيعه من منهج الكتابة والتحرير؛ فهنا لو ذَمَّ ما كتبتُه كلُّ من قَرَأَه، لا أتأذّى وإنّما أتأسّف . لا أتأذّى لأني أعرف أني أحسنتُ التعبير، واستوفيتُ نقاءَ التحرير . وأتأسّف لأني أشعر أن القراء لم يبلغوا بعدُ مرحلةَ النضج والرشد ، ولايزالون لايفرقون بين الغث والسمين، والجميل والقبيح، ولايزالون مُصَنَّفِين ضمن من قال عنهم الحريريّ (القاسم بن علي بن محمد بن عثمان أبو محمد الحريري البصري : 446-516هـ = 1054-1122م) إنهم يستسمنون كلَّ ذي ورم، وينفخون في غير ضرم، وكلا الفعلين عبث ولهو؛ لأنهما يصدران عن نوع واحد من السفاهة .

     الكاتبُ يكتب أصلاً – إذا كان ذا رسالة يحملها ويَوَدُّ أن يُبَلِّغها غيرَه – لإراحة ضميره وتنفيس الثقل عنه . وإلى إراحة الضمير يرجع رغبتُه في أن يقرأ ما كتبه «القراء المستحقون» ممن يتجانسون معه في الفكر والرأي والشعور والعاطفة؛ فلا يستحسنونه إلاّ إذا سَبَقَهُمْ إلى استحسانه؛ فكأنّ ضمائرهم لَحِقَتْ ضميرَه في الفكر والشعور والرضا والكره، الأمر الذي جَعَلَهُم «قراء مستحقين» وصَنَّفَ غيرهم «قراء غير مستحقين»؛ فالكاتبُ ذو الرسالة والدعوة يصح أن نقول في نفس الوقت: إنه لايكتب إلاّ لـ«القراء المستحقين» الذين يشعرون ما يكون قد شعر لدى كتابة ما كَتَبَ؛ فهم ضمائرهم جزءٌ من ضمير الكاتب، وتفكيرهم مُتَّحِد – كلاًّ وجزءًا – مع تفكيره . أفرادُ الجنس البشريّ المتجانسون في التفكير والرأي جزءٌ لايتجزّأ من الحقيقة المُوَحَّدة التي يجوز أن نسميها «سلامة الحسّ»؛ فسلامةُ الحسِّ تُوْجَدُ لدى كلّ إنسان سويّ التفكير سليم دواعي الصدر؛ فإنسانٌ من هذا النوع في أمريكا – وطن «بوش» الصغير الإرهابيّ رقم واحد في العالم البشري الذي نعيشه – وإنسان منه في مكة المكرمة – أقدس بقاع الكرة الأرضية التي وُضِعَ بها أوّلُ بيت لعبادة الله وحده – يشعران نفسَ الشعور.. يشعران مثلاً أنّ إسرائيل وجودها ضمانٌ كافٍ لاستمرار عدم الاستقرار فيما يُسَمَّىٰ بالشرق الأوسط خصوصًا وفي العالم كله عمومًا . وبما أن بوش هذا يسّره ويُنْعِشه اللاستقرارُ في دنيا الله فيَسُرُّه أن يُمِدَّ إسرائيلَ بكل نوع من الأسلحة والعتاد ويُعَضِّدها بكل مساعدة ماديّة ومعنويّة .

     وكذلك فإنسانٌ – كاتب – من هذا النوع في الهند ، وإنسان – قارئ – منه في مصر: أرض الكنانة مفتوحة سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه يشعران شعورًا واحدًا، ويتّحدان تفكيرًا ورأيًا، ويخفق قلباهما بأمنيّة واحدة: هي تحرير الأقصى، وفلسطين كلّها، وإزالة الكيان الغريب عنها، وسيادة الإسلام وحده في العالم العربي كلّه خصوصًا والعالم كله عمومًا، وأن يتقوّى المسلمون في الأرض تقوّي أمريكا اليوم على الأقل، حتى يتحقق توازن القوة والرعب، وحتّى يَرْهَبَهُمْ أعداءُ الله ورسوله وكلُّ من يَتَمَنَّى ويَعْمَلُ في الأرض اليوم تَمَنِّيَ وعَمَلَ بوش لإهانة الإسلام والمسلمين بشكل لم يسبق له مثيل .

     الكاتبُ من هذا النوع – الذي يتبنّى دعوةً ويحمل رسالةً – لايرجو من أحد حتى من «القراء المستحقين» جزاءً ولاشكورًا . إنّ جزاءَه كامن في ارتياح الضمير واطمئنان القلب وثلوج الصدر. وذلك جزاءٌ لايعدله مُكَافَأَةٌ ماليّة، أو ثناء لسانيّ، أو شكر شفويّ . الضميرُ مَلِكٌ مُكَرَّمٌ، وحبيبٌ مُدَلَّلٌ، وأثمنُ ما في كيانِ فردٍ بشريٍّ من اللحم والدم والعظم؛ فإذا رَضِيَ هو، فلا حاجة به إلى إِرضاءِ أحدٍ على ظهر هذا التراب .

     والحقيقةُ التي أشرتُ إليها إلى ههنا لاتقتصر على الجانب الإيجابيّ، وإنما تسري في الجانب السلبيّ؛ فالكاتب من الشرق فاسد الضمير فاجر القلب ماجن القلم خليع الأسلوب الذي يُنْتِجُ الأدبَ السافرَ، ويَنْفُثُ الفكرَ الفاجرَ، يَشْعُر ويُشْعِرُ ما يريد أن يَشْعُرَ القارئُ من الغرب، المُتَهَتِّكُ الغارق في خرق القيم، وهتك المُثُل، وتنجيس إنسانيته، وتعيير آدميّته . فهذا الكاتب أيضا أراح ضميره الذي فَسَدَ، وقلبَه الذي فَجَرَ، وصدرَه الذي نَجِسَ، وهذا القارئ الذي طرب بقراءة ما كَتَبَ وأَنْتَجَ، أَثْبَت أنّه متجانس معه في الرؤية والتفكير وسوء العاقبة و وَخَامة المصير . والمُبْطِلُ من الكتاب والقراء يتحمّس تحمّسَ المُحِقّ من الكُتَّاب والقراء، وينتصر لباطله انتصارَ الأخير لحقّه؛ لأنّ الخير والشرّ في صراع مستمرّ في الكون باقتضاء سنة الله، والصراعُ لايتحقق إلاّ إذا كان المتصارعان كلاهما يملكان من الحماس والحرص على التنافس ما يجعلهما يتصارعان ويرغبان في المزيد من الصراع رغبةً لاتنتهي . فما قلتُ من أن الكاتب إنما يودّ أن يرتاح ضميرُه يَشْمَلُ كلاًّ من المُحِقِّ والمُبْطِل، والكاتبَ للإيجاب والكاتبَ للسلب كليهما، والكاتبَ المدافعَ عن الحق الذي سُلِبَ، والوطن الذي اغْتُصِبَ، والشعب الذي شُرِّدَ؛ والكاتبَ المدافعَ عن موقفه الخبيث، ووجهة نظره المُعْوَجَّة، وتفكيره الزائغ، وعن خيانته مع ثقافته وحضارته وأمته وترابه .

     والفرق بينهما أن هذا يُرِيْحُ ضميرَه الحيَّ، وهذا يُرِيْحُ ضميرَه الميّتَ، هذا يُرْضِي ربَّه الذي هداه، وهذا يُرْضِي شيطانَه الذي أضلّه على زعمه أنّه مُتَعَلِّمُ ومثَقَّف . والفرقُ بينهما أن النوعَ الأولَ من الكُتّاب والقراء يملك حرارَةَ القلب وحياةَ النفس المطمئنة والصدر الذي يفيض طهارة وعفافًا؛ فإذا تحدّث تحدّث بالخير، وإذا عَمِلَ كان نموذجًا لغيره في الاستقامة وحسن السيرة، وإذا سكت كان سكوتُه أبلغَ من الكلام في الدلالة على وجوه الحسنات والتحذير من أنواع السيئات .

     والنوعُ الثاني من الكُتّاب والقراء مُظْلِمٌ إظلامَ الليل، تتفجر الظلمة النفسية والغيّ العقلي والنجاسة الفكرية والقذارة العاطفيّة من كلّ نَفَسٍ يُطلقه،وكل رأي يبديه، وكل كلام يتكلم به، وكل حديث يدور بينه وبين غيره، وكل سلوك يختاره في الحياة.

     أعود لأقول: إنّ الكاتبَ يجب أن يكتب صادرًا عن ضميره الحيّ، وقلبه السليم، وصدره المنشرح للخير بأنواعه التي لاتُحْصَىٰ . والكاتبُ إذا صَدَرَ لدى كتابته عن ضميره الحيّ وقلبه الصالح، لن يَضِلَّ مهما تراكم الضبابُ؛ بل تكثفت الظلماتُ، ووقف الشيطان لدى كل منعطف ليصرف الناسَ إلى الهاوية. والكاتبُ مثلُ هذا لايصيبه خيبةُ أملٍ وشعورٌ بالإحباطِ وضياعِ الأماني وتَبَعْثُرِ الأحلام؛ لأن الآمالَ والأحلامَ والأمانيَ اختصرت في راحةِ الضميرِ، وانحصرت في طمأنينةِ القلب؛ فلا يُطْلِقُ شكايةً إذا تنكّر له القراءَ، ولا يَنْدَمُ إذا خَذَلَه الزملاءُ، ولايَتَأَذَّىٰ إذا قُوْبِلَ تجاه ما كَتَبَ بمعارضة قوليّة أو فعليّة، أو تُهَمٍ وشتائمَ، أو اعتراضاتٍ وانتقاداتٍ .

     ومن أراح من الكُتَّاب ضميرَه الحيَّ كَسَبَ بالتأكيد رضا الله، وسلعتَه الغاليةَ وهي الجنةَ، وهو الفوز الأصيل، والفوز الكبير، والانتصار النهائيّ، والنجاح المُطْلَقُ، الذي تتضاءل أمامه أَمْتِعَةُ الدُّنْيَا كلّها؛ حيث لايمكن أن تُشْتَرىٰ بها الجنّة التي لايدخلها إلاّ من آمن وعمل صالحًا ولم يخلط إيمانَه بظلم .

     اللهم اجعلنا من الكتاب المريحين لضمائرهم، الـمُرْضين ربَّهم، المُزَحْزَحِينَ عن النّار المُدْخَلِينَ الجنةَ الفائزين بكلّ معنى من المعاني المُتَصَوَّرَة لدى البشر وغير المُتَصَوَّرَة لديه .

 

(تحريرًا في الساعة :304 من مساء يوم الإثنين:يوم السبتاللائقَ والتقديرَ الذي يستحقّه، وأن تدعو ربّك أن يديمه على ما هو عليه ما تطول به الحياة. ينتمي إليه؛ فلا بدّ أن تمنحه 10/شعبان 1427هـ = 4/ سبتمبر 2006م)

أبو أسامة نور

*  *  *

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . ذوالحجة 1427هـ = يناير 2007م ، العـدد : 12 ، السنـة : 30.